وقفتنا اليوم مع قول الله عز وجل: }ولكل وجهة هو مولّيها، فاستبقوا الخيرات، أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير{ (البقرة: 148).
تقرِّر هذه الآية الكريمة حقيقة إنسانية متفقاً عليها، وهي تفاوت الناس في اهتماماتهم، واختلافاتهم في توجهاتهم وأهدافهم، وتنوع ما يشغلهم من الأقوال والأعمال، وهذا من حكمة الله الحكيم سبحانه، لتتحقق الخلافة في الأرض، وتتكامل الجهود في الإعمار، كما أن هذا من مظاهر قدرة الله سبحانه، حيث خلق كل شخص وكأنه "عالم مستقل" في مشاعره واهتماماته وحياته، يلتقي مع الآخرين على الصفات البشرية والإنسانية العامة، ويتميز عنهم بخصائصه وخصوصياته الفردية المتفردة! فسبحان من خلق الناس بهذا التميز والتفرد!!
على أن خلق الناس بهذا الاختلاف والتنوع يجب أن لا يؤدي إلى النزاع والخصام، والاحتكاك والصدام، والتنافس العدائي القائم على المكر والكيد والاحتيال.. والأصل أن "تتلاقى" الاهتمامات والاستعدادات المختلفة، وتتعاون فيما بينها، للارتقاء بالحياة البشرية على وجه الأرض، وتحسين الأداء البشري في إعمارها!! لكنه جشع الإنسان وطمعه وهلعه، ووساوس الشيطان له، للتوسع على حساب الآخرين، والاعتداء على حقوقهم!!
}لكلٍّ وجهة هو موليها{: التنوين في كلمة (لكلٍّ) يسميه علماء التفسير "تنوين عوض"! أي أنه عوض عن كلمة محذوفة، والتقدير: لكل إنسان وجهة هو مولّيها.
والوجهة هي: التوجّه والقصد، والهدف المأمول، والأمل المرتجى، والمخطط الذي يسعى الإنسان لتنفيذه، والغاية التي يسرع السير إليها، ويولّيها وجهه، ويوجّه لها خطواته، ويوظّف لها مواهبه ومداركه، وطاقاته وقدراته، واهتماماته ومشاريعه، ويقصر عليها وجوده وحياته وسعيه!! وسبحان من جعل في كل قلب ما يشغله! والناس فيما يعملون مذاهب!
ترى في الصباح الباكر "طوابير" من الناس، متوجّهين إلى أعمالهم! ولو أوقفت "ألفاً" منهم في الطابور، وسألت كل واحد منهم: إلى أين أنت ذاهب؟ وما هي وجهتك التي أنت مولّيها؟ وما الذي يشغل بالك الآن؟ وبماذا تفكّر وتبرمج وتخطّط؟
لو جمعت إجابات الألف على هذه الأسئلة؛ فسوف تخرج بألف إجابة، كل واحدة تختلف عن الأخرى, عند ذلك تذكَّر هذه الجملة القرآنية: }ولكلٍّ وجهة هو موليها{. وإذا كان لكل واحد من الألف وجهة خاصة هو موليها، فما بالك بعدد سكان كوكبنا الذي يزيد على "ستة مليارات" إنسان؟ صار عندنا أكثر من ستة مليارات وجهة!! وسبحان من جعل في كل قلب ما يشغله!!
و"ينقذ" الله الناس الضعاف الجاهلين، الذين لا يعرفون أين مصلحتهم، فيدلّهم على الوجهة الصحيحة التي تليق بإنسانيتهم، حتى لا يخطئوا في اختيار "الوجهات!"؛ يطلب منهم سبحانه أن تكون وجهتهم إليه، وأن يولوها وجوههم، عابدين خاضعين له، ولذلك أنت تقرأ في دعاء التوجّه في الصلاة ما علّمك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقول: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين".
وبما أن وجهة المؤمنين التي يولّونها وجوههم هي عبادة الله وطاعته، فعليهم أن يوجهوا لها كل ما وهبهم الله من مَلَكات ومواهب، وطاقات وقدرات وإمكانات، وأن لا "يتشاغلوا" عن هذه الوجهة بأي "شاغل"، ولذلك توجِّههم الجملة الثانية من آيتنا إلى استغلال الفرصة المتاحة، فتقول لهم: }فاستبقوا الخيرات{.
ومعناها: إياكم أن تفوتكم الخيرات، التي يسّرها الله لكم، وعليكم أن "تبادروا" إليها، وتسارعوا في الحصول عليها، وأن لا تتباطأوا أو تتكاسلوا أو تتثاقلوا أو تتشاغلوا، فإن لم تبادروا إليها ولم تستبقوها؛ فقدتموها وخسرتموها، وعند ذلك تندمون، لكن بعد فوات الفرصة وانقضاء العمر!!
إن (استبقوا) فعل أمر، ماضيه خماسي: "استبق" على وزن: "افتعل" والتاء فيه تسمى "تاء الافتعال"، وهي تدل على التفاعل والنشاط، فالخيرات وضعها الله أمامك، وعليك أن تنتهز الفرصة وأن "تستبقها" قبل أن تهرب منك، لأنك إن لم تستبقها؛ سبقتك هي وطارت منك!
لنجعل - إخواني وأخواتي - من أيام هذا الشهر الفضيل فرصة لتصويب وجهاتنا، والتوجه بها إلى الله وحده، ولنحرص على أن نبادر إلى الخيرات والطاعات و"نستبقها"! (السبيل)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
يسعدنا استقبال آرائكم وتعليقاتكم